جلال الدين السيوطي

61

الأشباه والنظائر في النحو

باب نواصب المضارع قال أبو حيان : « من غريب مذاهب الكوفيين في ( أن ) أنّهم أجازوا الفصل بينها وبين معمولها بالشرط ، وأجازوا أيضا إلغاءها وتسليط الشرط على ما كان معمولا لها لولاه ، فأجازوا : « أردت أن إن تزرني أزورك » بالنصب وأزرك بالجزم جوابا للشرط وإلغاء أن » « 1 » . قال « 2 » ابن عصفور : « زعم الزمخشري أنّ ( لن ) لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل ، تقول : « لا أبرح اليوم مكاني » ، فإذا أكّدت وشدّدت قلت : « لن أبرح اليوم مكاني » ، قال : « وهذا الذي ذهب إليه دعوى لا دليل عليها ، بل قد يكون النفي ب ( لا ) آكد من النفي ب ( لن ) ، لأنّ المنفيّ ب ( لا ) قد يكون جوابا للقسم ، نحو : واللّه لا يقوم زيد ، والمنفيّ ب ( لن ) لا يكون جوابا له ، ونفي الفعل إذا أقسم عليه آكد منه إذا لم يقسم » ، قال : « وذهب أبو محمد عبد الواحد بن عبد الكريم « 3 » إلى أنّ ( لن ) تنفي ما قرب ولا يمتدّ معها النفي قال : « ويبيّن ذلك أنّ الألفاظ مشاكلة للمعاني « 4 » و « لا » آخرها ألف ، والألف يمتدّ معها الصوت بخلاف النون ، فطابق كلّ لفظ معناه » . قال ابن عصفور : « وهذا الذي ذهب إليه باطل ، بل كلّ منهما يستعمل حيث يمتدّ النفي وحيث لا يمتدّ ، فمن الأول في ( لن ) : إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [ الجاثية : 19 ] ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] ، وفي ( لا ) : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى [ طه : 118 ] ، ومن الثاني في ( لن ) : فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [ مريم : 26 ] ، وفي ( لا ) : أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ [ آل عمران : 41 ] . قال أبو حيان : « وعبد الواحد هذا له كتاب ( التبيان في علم البيان ) ، ذكر فيه هذا الذي حكاه عنه ابن عصفور ، قال : وما يذهب إليه أهل علم البيان ، ويختصّون به ينبغي أن لا يحكى مذهبا ، لأنّهم يبنون على خيالات هذيانيّة أو استقراءات غير كاملة ، وحين وصل كتاب التبيان هذا إلى الغرب نقضه ابن رشيد من المقيمين بتونس نقضا في كل قواعده ، ونقضه أيضا الكاتب أبو المطرّف بن عميرة ، وكان من

--> ( 1 ) انظر همع الهوامع ( 2 / 3 ) . ( 2 ) انظر شرح ابن يعيش على المفصّل ( 8 / 111 ) . ( 3 ) انظر همع الهوامع ( 2 / 4 ) . ( 4 ) انظر الخصائص ( 2 / 145 ) .